رئيس الحكومة عابثاً... ألا يخجل؟

في كل مرة يكرّر فيها رئيس الحكومة نواف سلام أنّ الدولة اللبنانية «تبسط سيادتها على جنوبي لبنان»، يعود السؤال القديم–الجديد ليُحرج الخطاب الرسمي: أيّ سيادة هذه، وأيّ جنوب، وأيّ بسط؟
بين العبارة المطمئنة التي تُقال من على المنابر، والوقائع اليومية التي تسجّلها الأرض والسماء، فجوةٌ لا يمكن ردمها بالبلاغة ولا بتدوير الزوايا. الجنوب، كما يعرفه أهله ويعاينه اللبنانيون لحظةً بلحظة، ليس مساحةً مستقرة تُدار بسيادةٍ مكتملة، بل فضاءٌ مكشوف على اعتداءات إسرائيلية متكرّرة، جوّاً وبرّاً وبحراً، تُقوّض معنى السيادة قبل أن تُقوّض حدودها.
ليس في هذا التوصيف افتئاتٌ على أحد، ولا انتقاصٌ من مقام رئاسة الحكومة، بل هو توصيفٌ بارد للوقائع. فالسيادة في معناها الدستوري والسياسي ليست مجرّد إعلان نوايا، ولا نتيجة قرارٍ إداري، بل قدرة فعلية للدولة على منع الاعتداء، وضبط المجال العام، وحماية المواطنين، وفرض القانون على كامل الإقليم. حين تتكرّر الخروقات الإسرائيلية بلا رادع، وحين يعيش سكان الجنوب تحت تهديد دائم، يصبح من المشروع، بل من الواجب، مساءلة الخطاب الذي يُصرّ على توصيفٍ مغاير للواقع.
الحيرة التي تصيب المتابع ليست نابعة من خصومة سياسية، بل من التباسٍ معرفي وأخلاقي: كيف يمكن لرئيس حكومة أن يقرأ مشهداً بهذه الحدّة قراءةً معاكسة؟ هل نحن أمام انفصالٍ عن الواقع، أم أمام مكابرةٍ لغوية تهدف إلى حماية صورة الدولة، أم أمام تعريفٍ جديد للسيادة يُفرغها من مضمونها الفعلي؟ السؤال هنا ليس شخصياً، ولا نفسياً، بل سياسي–مفاهيمي، يتعلّق بما تقوله الدولة عن نفسها، وكيف تفهم دورها وحدودها.
قد يُقال إنّ ما يفعله سلام هو ممارسة «الخطاب الدولتي» الكلاسيكي: الإصرار على السيادة بوصفها مبدأً قانونياً غير قابل للتجزئة، حتى حين تكون منقوصة عملياً. هذا صحيح جزئياً. فالدول، في العادة، لا تعترف علناً بضعفها، لأنّ الاعتراف يُترجم في السياسة الدولية إلى مزيد من الضغط والابتزاز. لكن الفرق بين التمسّك بالمبدأ، وإنكار الواقع، فرقٌ جوهري. الأوّل دفاعٌ عن حقّ، والثاني تعطيلٌ لإمكانية الفهم والمساءلة.
المشكلة أنّ خطاب «السيادة المبسوطة» في الجنوب لا يُقارب بوصفه شعاراً قانونياً، بل يُقدَّم كحقيقةٍ منجزة. هنا يبدأ الخلل. فحين تتحوّل اللغة إلى أداة إنكار، تفقد قدرتها على توحيد الناس حول تشخيصٍ مشترك. المواطن الجنوبي الذي يسمع الطائرات المعادية، ويحصي الغارات والخروقات، لا يمكن إقناعه بأنّ السيادة قائمة كما يجب. وحين يشعر أنّ الدولة تطلب منه تصديق ما يناقض تجربته اليومية، تتآكل الثقة، لا بالدولة فقط، بل بالسياسة بوصفها مجالاً عقلانياً.
يحتار المتابع في كلام سلام، وليس من باب الخصومة السياسية، بل من التباسٍ معرفي وأخلاقي، إذ كيف يمكن لرئيس حكومة أن يقرأ مشهداً واضحاً بهذه الحدّة، بطريقة معاكسة
الأخطر من ذلك أنّ هذا الخطاب قد يفضي، من حيث لا يدري قائله، إلى إعادة تعريف الاعتداء نفسه. فإذا كانت السيادة «مبسوطة»، فما معنى الاعتداءات الإسرائيلية؟ هل هي حوادث معزولة؟ هل هي «توترات حدودية» عابرة؟ أم أنّها لم تعد تُعدّ انتهاكاً للسيادة؟ هنا يكمن المأزق الفلسفي–السياسي: حين تتعايش فكرة السيادة مع واقع انتهاكها الدائم، من دون تسمية الانتهاك باسمه، يصبح الاعتداء جزءاً من الوضع الطبيعي، لا خرقاً له.
لا أحد يطالب رئيس الحكومة بالتصعيد اللفظي، ولا بإطلاق خطابات شعبوية. المطلوب شيء أبسط وأعمق: الصدق السياسي. الصدق لا يعني جلد الذات، بل الاعتراف بأنّ السيادة في الجنوب منقوصة، وأنّ الدولة، لأسباب تاريخية وبنيوية وإقليمية، لا تملك وحدها القدرة على فرضها كاملة. هذا الاعتراف هو نقطة البداية لأي سياسة جدّية، داخلية أو خارجية. أمّا إنكار النقص، فلا ينتج سوى سياسات رمزية، تُراكم الخيبات.
قد يُقال أيضاً إنّ سلام يتحرّك ضمن هامشٍ دولي ضيّق، وإنّ كلامه موجّه إلى الخارج بقدر ما هو موجّه إلى الداخل، في سياق الالتزامات اللبنانية أمام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. هذا مفهوم. لكن الخارج نفسه يرى الوقائع، ويقرأ التقارير، ويعرف أنّ الجنوب ليس منطقة سيادة هادئة. وبالتالي، فإنّ الخطاب الإنكاري لا يخدع الخارج، بل يُربك الداخل فقط. والسياسة التي تُربك مجتمعها، بدل أن تُشركه في تشخيص الأزمة، سياسة قصيرة النفس.
من المهم هنا التشديد على أنّ نقد هذا الخطاب لا علاقة له بالانتماء الطائفي لرئيس الحكومة. رئاسة الوزراء، في النظام اللبناني، موقع وطني دستوري، لا يُختزل بطائفة، ولا يجوز أن يُحمَّل نقده أي إيحاءٍ طائفي. المسألة تتعلّق بأداء سياسي، وبخطاب رسمي، وبفهمٍ لمفهوم السيادة، لا بأي انتماء مذهبي أو جماعي. ومن الظلم، بل من الخطورة، تحويل أي نقاش في السياسات العامة إلى مساسٍ بطائفةٍ كريمة هي جزء أصيل من النسيج الوطني.
في العمق، تكشف هذه الإشكالية عن أزمة أوسع في الدولة اللبنانية: أزمة تعريف الذات. هل الدولة كيانٌ سيادي فعلي، أم إطارٌ إداري يعمل ضمن توازنات قسرية؟
إنّ الجنوب اللبناني ليس مجرّد جغرافيا حدودية، بل مرآة لعلاقة الدولة بنفسها. كلّ غارة، وكلّ خرق، وكلّ تهديد، يضع الدولة أمام سؤالها المؤجّل: ماذا تعني السيادة في بلدٍ محكوم بتوازنات إقليمية، وبذاكرة احتلال، وبانقسام داخلي حول وسائل الحماية؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تكون بإنكار المشكلة، بل بتسميتها، وببناء خطاب صادق يُمكّن المجتمع من فهم موقعه، بدل تخديره بشعارات مطمئنة.
السيادة لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تستطيع الدولة فعله دفاعاً عن أرضها وناسها. وحين لا تستطيع، فإنّ أول واجباتها هو الصدق. الصدق ليس ترفاً أخلاقياً، بل شرطٌ لأي سياسة قابلة للحياة. دون ذلك، تبقى السيادة كلمةً جميلة، تُقال كثيراً، وتُخالفها الوقائع كلّ يوم.
